الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

218

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فإن كان الأوّل فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوما : لأنّ شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرى لحكاية الواقع ، وإن كان الثّاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة . وإذ قد كان غالب المدينين تستمرّ حاجتهم آجالا طويلة ، كان الوقوع في هذه العاقبة مطردا ، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوما كذلك إذ ليس القصد منها التقييد بل التشنيع ، فلا يقتصر التّحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافا كثيرة ، حتّى يقول قائل : إذا كان الرّبا أقلّ من ضعف رأس المال فليس بمحرّم . فليس هذا الحال هو مصبّ النّهي عن أكل الربا حتّى يتوهّم متوهّم أنّه إن كان دون الضعف لم يكن حراما . ويظهر أنّها أوّل آية نزلت في تحريم الربا ، وجاءت بعدها آية البقرة ، لأن صيغة هذه الآية تناسب ابتداء التشريع ، وصيغة آية البقرة تدلّ على أن الحكم قد تقرّر ، ولذلك ذكر في تلك الآية عذاب المستمرّ على أكل الرّبا . وذكر غرور من ظنّ الرّبا مثل البيع ، وقيل فيها فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ [ البقرة : 275 ] الآية ، كما ذكرناه آنفا ، فمفهوم القيد معطّل على كلّ حال . وحكمة تحريم الرّبا هي قصد الشّريعة حمل الأمّة على مواساة غنيّها محتاجها احتياجا عارضا موقّتا بالقرض ، فهو مرتبة دون الصدقة ، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة ، ومنها ندب كالصّدقة والسلف ، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها ، وكذلك المعروف كلّه ، وذلك أن العادة الماضية في الأمم ، وخاصّة العرب ، أنّ المرء لا يتداين إلّا لضرورة حياته ، فلذلك كان حقّ الأمّة مواساته . والمواساة يظهر أنّها فرض كفاية على القادرين عليها ، فهو غير الّذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتقارضين : للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلّا أن الشرع ميّز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية ، لا باختلاف أحوال المتعاقدين ، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف ، ولو كان المستسلف غير محتاج ، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الّذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك ، وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتّجارة ودين السّلم ، ولو كان الرّبح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية . ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال ، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا ، فيكون تحريم الرّبا ، ولو كان قليلا ، مع تجويز الربح من التّجارة والشركات ، ولو كان كثيرا تحقيقا لهذا